بعد
أن آمن الإنسان بالله والاسلام والشريعة
وعرف أنه مسؤول بحكم كونه عبداً لله تعالى عن
امتثال احكام الله تعالى يصبح ملزماً
بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة
والشريعة الاسلامية ومدعواً بحكم عقله إلى
بناء كل تصرفاته الخاصة وعلاقاته مع الأفراد
الآخرين على اساسها أي اتخاذ الموقف العملي
الذي تفرضه عليه تبعيته بوصفه عبداً للمشرع
سبحانه الذي انزل الشريعة على رسوله. ولأجل
هذا ما كان لزاماً على الانسان أن يعين
الموقف العملي الذي تفرضه هذه التبعية عليه
في كل شأن من شؤون الحياة ويحدده فهل يفعل أو
يترك ؟ وهل يتصرف بهذه الطريقة وبتلك ولو
كانت الأحكام الشرعية وأوامرها ونواهيها في
كل الاحداث والوقائع واضحة وضوحاًً كاملاً
بديهياً للجميع مكان تحديد الموقف العملي
تجاه الشريعة في كل واقعة امراً ميسوراً لكل
أحد لأن الموقف العملي تجاه الشرعية في كل
واقعة أمراً ميسوراً لكل أحد لأن كل انسان
يعرف أن الموقف العملي الذي تفرضه تعبيته
للشريعة في الواجبات هو أن يفعل وفي
المحرمات هو أن يترك وفي المباحات هو أنه
بالخيار أن شاء فعل وأن شاء ترك فلو كانت
الواجبات والمحرمات وسائر الاحكام الشرعية
محددة ومعلومة بصورة عامة وبديهية لكان
الموقف العملي المحتم على الانسان بحكم
تبعيته للشريعة واضحاً في كل واقعة ولما
احتاج تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة الى
بحث عملي ودراسة واسعة.
ولكن
عوامل عديدة – منها بعدنا الزمني عن عصر
التشريع – أدت الى عدم وضوح عدد كبير من
أحكام الشريعة واكتنافها بالغموض. فنشأ
نتيجة لذلك غموض في الموقف العلمي الذي
تفرضه على الاسنان تبعيته تجاه الشريعة في
كثير من الوقائع والأحداث, لأن الانسان اذا
لم يعلم نوع الحكم الذي تقرره, الشريعة في
واقعة – ما – أهو وجوب أو حرمة او إباحة فسوف
لن يعرف طبيعة الموقف العملي الذي يتحتم
عليه أن يتخذه تجاه الشريعة في تلك الواقعة
بحكم تبعيته للشريعة ولعى هذا الأساس كان من
الضروري أن يوضع علم يتولى رفع الغموض عن
الموقف العملي تجاه الشريعة في كل واقعة
بإقامة الدليل على تعيين الموقف العملي الذي
تفرضه على الانسان تبعيته للشريعة وتحديده.
وهكذا
كان فقد أنشيء علم الفقه للقيام بهذه المهمة,
فهو يشتمل على تحديد الموقف العلمي تجاه
الشريعة تحديداً أستدلالياً. والفقيه في علم
الفقيه يمارس اقامه الدليل على تعيين الموقف
العملي في كل حدث من أحداث الحيان وناحية من
مناحيها, وهذا ما نطلق عليه في المصطلح
العلمي اسم (( عمليه استنباط الحكم الشرعي )),
فاستنباط الحكم الشرعي في واقعه معناه اقامة
الدليل على تحديد الموقف العملي تجاه
الشريعة تحديداً استدلالياً ونعني بالموقف
العملي تجاه الشريعة السلوك الذي يفرض على
الانسان بحكم تبعيته للشريعة أن يسلكه
تجاهها لكي يفي بحقها ويكون تابعاً مخلصاً
لها.
فعلم
الفقه اذن هو العلم بالدليل على تحديد
الموقف العلمي من الشريعة في كل واقعة,
والموقف العملي من الشريعة الذي يقيم على
الفقه الدليل على تحديده, هو (( السلوك الذي
تفرضه على الانسان تبعيته للشريعة لكي يكون
تابعاً مخلصاً لها وقائماً بحقها )) وتحديد
الموقف العملي بالدليل هو ما تعبر عنه بـ ((
عميلة استنباط الحكم الشرعي )).
ولأجل
هذا يمكن القول بأن علم الفقه هو علم استنباط
الأحكام الشرعية, أو علم عملية الاستنباط
بتعبي آخر. وتحديد الموقف العملي بدليل يزيل
الغموض الذي يكتنف الموقف, يتم في علم الفقه
بأسلوبين :
أحدهما
: الأسلوب غير المباشر, وهو تحديد الموقف
العملي الذي تفرضه على الانسان تبعيته
للشريعة عن طريق اكتشاف نوع الحكم الشرعي
الذي قررته الشريعة في الواقعة واقامة
الدليل عليه, فيزول الغموض عن الحكم الشرعي
وبالتالي يزول الغموض عن طبيعة الموقف
العملي تجاه الشريعة فنحن اذا أقمنا الدليل
على أن الحكم الشرعي في واقعة ما هو الوجوب
أستطعنا أن نعرف ما هو الموقف الذي تحتم
تبعيتنا للشريعة أن نقفه تجاهها وهو (( أن
نفعل )).
والأسلوب
الاخر لتحديد الموقف العملي هو الأسلوب
المباشر الذي يقام فيه الدليل على تحديد
الموقف العملي لا عن طريق اكتشاف الحكم
الشرعي الثابت في الواقعة – كما في الأسلوب
الأول -, بل يقام الدليل عى تحديد الموقف
العملي مباشرة, وذلك في حالة ما اذا عجزنا عن
اكتشاف نوع الحكم الشرعي الثابت في الواقعة
واقامة الدليل على ذلك فلم ندر ما هو نوع
الحكم الذي جاءت به الشريعة, أهو وجوب أو
حرمة أو إباحة ؟ ففي هذه الحالة لا يمكن
استعمال الأسلوب الأول لعدم توفر الدليل على
نوع الحكم الشرعي, بل يجب أن نلجأ الى أدلة
تحدد الموقف العملي بصورة مباشرة وتوجهنا
كيف نفعل ونتصرف في هذه الحالة ؟ وأي موقف
عملي تتخذ تجاه الحكم الشرعي المجهول الذي
لم تتمكن من اكتشافه ؟ وما هو السلوك الذي
تحتم تبعيتنا للشريعة أن نسلكه تجاهه لكي
تقوم بحق التبعية ونكون تابعين مخلصين وغير
مقصرين ؟ وفي كلا الاسلوبين يمارس القفيه في
علم الفقه استنباط الحكم الشرعي, أي يحدد
بالدليل الموقف العملي تجاه الشريعة بصورة
غير مباشرة أو غير مباشرة. ويتسع علم الفقه
لعمليات استنباط كثيرة بقدر الوقائع
والأحداث التي تزخر بها حياة الانسان, فكل
واقعة لها عملية استنباط لحكمها يمارس
الفقيه فيها أحد ذينك الأسلوبين المتقدمين.
وعمليات الاستنباط تلك التي يشتمل عليها علم
الفقه بالرغم من تعددها وتنوعها تشترك في
عناصر موحدة وقواعد عامة تدخل فيها على
تعددها وتنوعها, ويتشكل من مجموع تلك
العناصر المشتركة الأساس العام لعملية
الاستنباط.
وقد
تطلبت هذه العناصر المشتركة في علمية
الاستنباط وضع علم خاص بها لدراستها
وتحديدها وتهيئتها لعلم الفقه, فكان علم
الأصول.